القائمة الرئيسية

الصفحات

 

المقاربة بالكفاءات: بين الطموح البيداغوجي وتوجيهات البنك الدولي

تُعد المقاربة بالكفاءات واحدة من أبرز التحولات التي شهدتها الأنظمة التربوية عبر العالم، وخاصة في الدول النامية، منذ تسعينيات القرن الماضي. انتقلت هذه المقاربة بالمدرسة من منطق "شحن الذاكرة" وتراكم المعارف (بيداغوجيا المحتويات) إلى منطق "توظيف المعارف" لحل مشكلات واقعية. ولكن، رغم تبنيها الواسع، لا تزال هذه المقاربة تثير جدلاً كبيراً حول جدواها، خلفياتها السياسية والاقتصادية، ودور المؤسسات الدولية في فرضها.

أولاً: مفهوم المقاربة بالكفاءات

ببساطة، تعني المقاربة بالكفاءات أن الهدف من التعليم ليس "ماذا يعرف التلميذ؟" بل "ماذا يستطيع التلميذ أن يفعل بما يعرفه؟".
إنها قدرة المتعلم على تجنيد مجموعة مدمجة من الموارد (معارف، مهارات، مواقف) لحل "وضعية مشكلة" مستمدة من الحياة اليومية أو المهنية.

ثانياً: إيجابيات المقاربة بالكفاءات

يرى المدافعون عن هذه المقاربة أنها أحدثت ثورة إيجابية في التعليم للأسباب التالية:

  1. جعل المتعلم محور العملية التعليمية: لم يعد التلميذ متلقياً سلبياً، بل أصبح فاعلاً يبني معرفته بنفسه من خلال البحث والمحاولة والخطأ.
  2. الوظيفية (Functionalism): تربط التعلم بالحياة الواقعية. فبدلاً من حفظ قواعد النحو نظرياً، يتعلم الطالب كيف يكتب رسالة إدارية سليمة (توظيف القاعدة).
  3. تنمية مهارات التفكير العليا: تشجع على التحليل، التركيب، وحل المشكلات بدلاً من الحفظ والتكرار.
  4. الاستقلالية: تعود المتعلم على الاعتماد على النفس واتخاذ القرارات أمام المواقف المعقدة.

ثالثاً: سلبيات المقاربة بالكفاءات

رغم بريقها النظري، واجهت هذه المقاربة انتقادات حادة من قبل التربويين والممارسين:

  1. تهميش المعرفة: التركيز المفرط على "المهارة" و"الفعل" أدى أحياناً إلى إفراغ المحتويات المعرفية والثقافية من قيمتها، مما أنتج جيلاً "يُتقن التقنيات لكنه يفتقر للعمق الثقافي".
  2. صعوبة التقييم: تقييم "الكفاءة" عملية معقدة جداً وذاتية. من السهل تصحيح اختبار استظهار، لكن من الصعب وضع معيار دقيق لتقييم كيفية حل تلميذ لمشكلة معقدة.
  3. تشتت الذهن: بالنسبة للمتعلمين الذين يعانون من صعوبات، قد تكون "الوضعيات المشكلة" معقدة ومحبطة، مما يزيد من الفوارق بين التلاميذ المتفوقين والمتعثرين.
  4. النظرة النفعية: تُتهم بأنها تحول المدرسة إلى "مؤسسة تدريب مهني" تخدم السوق فقط، على حساب التربية على القيم والفكر النقدي.

رابعاً: حدود تطبيق المقاربة (العوائق)

تصطدم هذه المقاربة بجدار الواقع، خاصة في الدول النامية، حيث توجد حدود وعوائق هيكلية:

  1. الاكتظاظ: تتطلب هذه المقاربة العمل في مجموعات صغيرة ومتابعة فردية، وهو ما يستحيل تطبيقه في أقسام تضم 40 أو 50 تلميذاً.
  2. تكوين المعلمين: يتطلب تطبيقها معلماً بمهارات عالية جداً في التنشيط والهندسة البيداغوجية، بينما تعاني معظم الأنظمة من نقص في التكوين المستمر والأساسي للمعلمين.
  3. نقص الموارد: تحتاج "الوضعيات المشكلة" إلى وسائل تعليمية، تكنولوجيا، ومراجع، وهي غالباً غير متوفرة.
  4. عامل الزمن: بناء الكفاءة يحتاج وقتاً طويلاً، بينما البرامج الدراسية غالباً ما تكون مكثفة ومحكومة بجدول زمني ضيق.



خامساً: دور البنك الدولي في انتشار المقاربة بالكفاءات

لا يمكن فصل انتشار هذه المقاربة عن السياق الجيوسياسي والاقتصادي العالمي. ففي التسعينيات، لم يكن تبني الدول (خاصة في إفريقيا والعالم العربي) لهذه المقاربة خياراً تربوياً محضاً، بل كان توجيهاً شبه ملزم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

كيف تم ذلك؟

من خلال برامج "الإصلاح الهيكلي"، ربط البنك الدولي تقديم القروض والمساعدات المالية للدول النامية بضرورة إصلاح أنظمتها التعليمية وفق "المعايير الدولية". وكانت المقاربة بالكفاءات هي "الوصفة الجاهزة" التي تم تسويقها وفرضها كشرط للحصول على التمويل.

لماذا روج البنك الدولي لهذه المقاربة؟ (الأسباب الخفية)

لم يكن هدف البنك الدولي بيداغوجياً (حبًا في طرق التدريس)، بل كان اقتصادياً ونفعياً (نيوليبرالياً)، وذلك للأسباب التالية:

  1. مواءمة التعليم مع سوق العمل: ينظر البنك الدولي للتعليم كاستثمار اقتصادي. الشركات العالمية لم تعد بحاجة لموظفين "موسوعيين" يحفظون التاريخ والأدب، بل تحتاج عمالاً يتمتعون بـ"كفاءات" مرنة (تواصل، حل مشكلات، استخدام تكنولوجيا) جاهزين للعمل فوراً. المقاربة بالكفاءات تخدم هذا الهدف تماماً.
  2. نظرية رأس المال البشري: يتبنى البنك الدولي رؤية مفادها أن المدرسة مصنع لإنتاج "رأس مال بشري" قابل للاستغلال الاقتصادي. الكفاءة هنا هي "سلعة" يمكن قياسها وبيعها في سوق العمل.
  3. العولمة وتوحيد المعايير: لكي تندمج الاقتصادات النامية في الاقتصاد المعولم، يجب أن يمتلك عمالها نفس "الكفاءات" الموجودة في الدول المتقدمة. المقاربة بالكفاءات تسمح بـ"تنميط" التعليم عالمياً (مثل اختبارات PISA) مما يسهل مقارنة الأنظمة التعليمية وخدمة الشركات العابرة للقارات.
  4. المرونة والتشغيل: التركيز على الكفاءات بدلاً من الشهادات الجامعية التقليدية يسمح بمرونة أكبر في سوق العمل، ويشجع على التدريب السريع وإعادة التأهيل، وهو ما يتماشى مع الاقتصاد النيوليبرالي الذي يتميز بعدم الاستقرار الوظيفي.

خاتمة

إن المقاربة بالكفاءات، كإطار نظري، تحمل مبادئ تربوية نبيلة تهدف لتحرير عقل المتعلم. ومع ذلك، فإن طريقة "استنباتها" في بيئات تعليمية غير مهيأة (بضغط من البنك الدولي) جعلها تتعثر في كثير من الدول.
لقد تحولت في كثير من الأحيان من وسيلة لتطوير الفكر إلى أداة لخدمة السوق، واصطدمت بواقع المدارس الفقيرة والمكتظة، مما جعلها في نظر الكثيرين "شعاراً براقاً لواقع مأزوم". الإصلاح الحقيقي لا يكمن في استيراد مقاربات جاهزة، بل في تحسين ظروف المعلم والمتعلم وتوفير البيئة الحاضنة لأي تطوير.

أنت الان في اول موضوع
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع