القائمة الرئيسية

الصفحات

المقاربة بالكفاءات

أولاً: ماهي المقاربة بالكفاءات؟

المقاربة بالكفاءات (أو التعليم المبني على الكفاءات) هي اتجاه تربوي يركز على ما يصبح المتعلم قادراً على فعله في مواقف حقيقية، أكثر مما يركز على كمية المعارف التي يحفظها.
الكفاءة تُعرَّف عادة بأنها:
قدرة المتعلم على تعبئة مجموعة من المعارف والمهارات والاتجاهات لحل مشكلات أو إنجاز مهام في سياقات مختلفة.”

أهم خصائص هذه المقاربة في التعليم:

  • التركيز على المخرجات (نتائج التعلم) بدل الاقتصار على المدخلات (محتويات المقررات).
  • اعتبار المتعلم فاعلًا في بناء تعلمه (تعلم نشط، عمل في مجموعات، مشاريع...).
  • ربط التعلم بـ مشكلات واقعية أو وضعيات حياتية ومهنية.
  • اعتماد التقويم المستمر القائم على الأداء (مشاريع، مهام مركبة، عروض...).
  • السعي إلى تنمية دمج المعارف والمهارات (القدرة على توظيف ما تعلمه، لا مجرد حفظه).

ظهرت هذه المقاربة في البداية في مجالات التكوين المهني والتعليم العالي، ثم انتقلت بالتدريج إلى التعليم المدرسي في كثير من الدول، خاصة في سياق الحديث عن "مهارات القرن الواحد والعشرين" وربط التعليم بسوق العمل.



ثانياً: إيجابيات المقاربة بالكفاءات

  1. ربط المدرسة بالحياة العملية والواقع
    • لا تقف المعارف عند حدود الكتاب المدرسي، بل تُستثمر في حل مشكلات واقعية.
    • تساعد المتعلم على فهم أهمية ما يدرسه، فيقلّ الإحساس بأن التعلم نظري ومنفصل عن الحياة.
  2. تنمية مهارات عليا لا يحققها التعليم التلقيني بسهولة
    مثل:
    • التفكير النقدي وحل المشكلات.
    • العمل الجماعي والتواصل.
    • مهارات البحث الذاتي والتعلم المستمر.

هذه المهارات أصبحت مطلوبة بقوة في سوق العمل وفي الحياة المدنية.

  1. وضع المتعلم في مركز .
    • دور المعلم يتحول من "ملقّن" إلى "مُيسِّر ومرافق".
    • المتعلم يشارك في البحث والاكتشاف وبناء المعرفة، مما يعزز الاستقلالية والثقة بالنفس.
  2. التكامل بين المواد والمعارف
    • تهتم المقاربة بالكفاءات بقدرة المتعلم على الدمج بين ما تعلمه في مواد مختلفة.
    • مثال: مشروع يتطلب استعمال الرياضيات واللغة والعلوم والتكنولوجيا معاً لحل مشكلة معينة.
  3. مرونة في التعلم ومراعاة الفروق الفردية
    • من حيث المبدأ تسمح هذه المقاربة بأن يسير المتعلم وفق وتيرته، وأن تُبنى الأنشطة بما يناسب مستواه وخصائصه.
    • تشجع على تنويع أساليب التدريس والتقويم، بدل الاقتصار على الامتحان التقليدي.
  4. التركيز على النتائج القابلة للملاحظة والقياس نسبياً
    • وجود "كفاءات مستهدفة" يجعل المناهج أكثر وضوحاً من حيث ما يجب أن يكتسبه المتعلم.
    • هذا يساعد – نظرياً – في مراقبة جودة التعليم وتقييمها.



ثالثاً: سلبيات المقاربة بالكفاءات وانتقاداتها

رغم ما تقدمه من وعود، تعرضت المقاربة بالكفاءات لعدة انتقادات، خاصة عند نقلها بشكل شبه حرفي إلى أنظمة تعليمية ذات صعوبات بنيوية:

  1. صعوبات التطبيق في الواقع المدرسي
    • الفصول المكتظة، وقلة الوسائل، وضيق الزمن المدرسي، وضعف التكوين الأولي والمستمر للمعلمين؛ كلها تجعل التطبيق الحقيقي للمقاربة بالكفاءات أمراً بالغ الصعوبة.
    • كثيراً ما تبقى المقاربة "مكتوبة" في الوثائق الرسمية أكثر مما هي "مُمارسة" في الأقسام.
  2. تضخم الأعباء على المعلم
    • إعداد وضعيات مشكلة، وتصميم أنشطة تفريدية، وإنجاز تقويمات متنوعة قائمة على الأداء، يتطلب وقتاً وجهداً كبيرين.
    • في غياب دعم حقيقي، يشعر المعلم بأن المقاربة عبء إضافي أكثر من كونها أداة مساعدة.
  3. خطر اختزال التعليم في البعد الوظيفي (خدمة سوق العمل فقط)
    • تُنتقد هذه المقاربة أحياناً لأنها تميل إلى النظر للمتعلم كرأس مال بشري يجب "تجهيزه" لسوق الشغل،
      أكثر من النظر إليه كمواطن يحتاج إلى تكوين ثقافي وقيمي وإنساني متكامل.
    • قد يتم تهميش أبعاد مثل: الهوية، الثقافة الوطنية، التربية على المواطنة، في مقابل التركيز على المهارات القابلة للتشغيل.
  4. تعقيد صياغة الكفاءات وقياسها
    • كثير من "الكفاءات" المعلنة في البرامج التربوية تبقى عامة وفضفاضة وصعبة القياس بدقة.
    • هذا يفتح الباب لاختلافات كبيرة في الفهم بين المعلمين، ويجعل التقويم أحياناً شكلياً أو غير منصف.
  5. خطر إضعاف المعارف النظرية العميقة
    • في بعض التجارب، تم تقليص المحتوى المعرفي لصالح أنشطة "مهارية" سطحية نسبياً.
    • إذا لم يُصمَّم المنهاج بعناية، قد يخرج المتعلم بمهارات عامة لكنها غير مدعومة بتكوين معرفي راسخ.
  6. توحيد النموذج التربوي عالمياً (Globalization of policy)
    • تُنتقَد المقاربة بالكفاءات أحياناً باعتبارها نموذجاً "مستورداً" لا ينسجم دائماً مع الخصوصيات الثقافية والتربوية المحلية.
    • قد تؤدي إلى تهميش التجارب التربوية الوطنية لصالح نموذج عالمي موحّد مصدره دول الشمال.



رابعاً: حدود المقاربة بالكفاءات

إلى جانب الإيجابيات والسلبيات، توجد حدود موضوعية تجعل هذه المقاربة غير كافية لوحدها:

  1. حدود معرفية
    • لا يمكن حصر التعلم في ما هو قابل للقياس المباشر من "كفاءات".
    • هناك أبعاد عميقة في التربية (التكوين الفكري والفلسفي، تنمية الحس الجمالي، بناء الذات...) يصعب اختزالها في مؤشرات أداء.
  2. حدود قياسية (في التقويم)
    • قياس كفاءات عليا كالإبداع، والقدرة على النقد، والروح القيادية، مسألة معقدة ولا يمكن اختزالها في اختبارات بسيطة.
    • خطر أن يتحول التقويم إلى البحث عما هو سهل القياس بدلاً مما هو مهم فعلاً.
  3. حدود اجتماعية وثقافية
    • المقاربة بالكفاءات تفترض قدراً من الاستقلالية والمبادرة لدى التلاميذ، وهذا قد يصطدم بثقافات مدرسية أو عائلية تميل إلى الطاعة والتلقين.
    • نجاحها يتطلب تغييراً في ثقافة المدرسة والعلاقات داخل القسم، وهو أمر يأخذ وقتاً طويلاً.
  4. حدود سياسية ومؤسساتية
    • كثيراً ما تُفرض الإصلاحات المرتبطة بالمقاربة بالكفاءات من أعلى (من الوزارات أو الشركاء الدوليين) دون إشراك حقيقي للمعلمين.
    • هذا يؤدي إلى مقاومة صامتة، أو إلى تطبيق شكلي لتلك الإصلاحات.
  5. حدود مرتبطة بتكوين المعلمين
    • المقاربة بالكفاءات تتطلب معلمين متمكنين من البيداغوجيا النشطة، وتصميم الوضعيات، والتقويم البديل.
    • في غياب تكوين عميق وجاد، تتحول كل هذه المصطلحات إلى شعارات في الوثائق فقط.



خامساً: دور البنك الدولي في انتشار المقاربة بالكفاءات

البنك الدولي أحد أهم الفاعلين في رسم سياسات التعليم في عدد كبير من الدول النامية، من خلال:

  • القروض المشروطة لقطاع التعليم.
  • الاستشارات والتقارير التي يقدمها للحكومات حول إصلاح التعليم.
  • تمويل مشاريع تحديث المناهج، وتكوين المعلمين، وأنظمة التقويم والجودة.

منذ تسعينيات القرن العشرين، بدأ البنك الدولي يركّز في وثائقه على:

  • تحسين "جودة" التعليم، لا مجرد توسيع الولوج إليه.
  • ربط التعليم بسوق العمل، وتقليص البطالة بين الشباب.
  • تقوية ما يسمى "رأس المال البشري" لزيادة النمو الاقتصادي.

في هذا الإطار، ظهرت المقاربة بالكفاءات كأداة ملائمة لأهدافه، فدعم البنك:

  • إصلاح المناهج على أساس الكفاءات في عدد من الدول في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، والمغرب العربي.
  • بناء "أطر وطنية للكفاءات" (National Qualifications Frameworks) تربط التعليم العام بالتكوين المهني وسوق الشغل.
  • إنشاء أنظمة للتقويم الوطني والدولي تقيس مخرجات التعلم في ضوء الكفاءات الأساسية.

لم يكن البنك الدولي الفاعل الوحيد (إلى جانبه مثلاً: منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية OECD، والاتحاد الأوروبي، ومنظمات أممية أخرى)،
لكن قوة تأثيره المالية والسياسية جعلت توصياته ذات وزن كبير في قرارات كثير من الحكومات.



سادساً: لماذا يدعم البنك الدولي المقاربة بالكفاءات؟

يمكن تلخيص دوافع البنك الدولي وفاعلين دوليين آخرين في عدة نقاط مترابطة:

  1. منطق رأس المال البشري
    • ينظر البنك للتعليم باعتباره استثماراً اقتصادياً: كلما زادت كفاءة اليد العاملة، ارتفع النمو الاقتصادي.
    • المقاربة بالكفاءات تبدو مناسبة لهذا المنطق، لأنها تركز على "ما يستطيع المتعلم أن يفعله" في سوق العمل.
  2. القابلية للقياس والمقارنة
    • المؤسسات الدولية تحتاج لمؤشرات لقياس فعالية استثماراتها في التعليم.
    • الكفاءات المحددة سلفاً تسهِّل بناء اختبارات ومؤشرات تسمح بالمقارنة بين الدول، وتقييم "العائد" من الإصلاحات.
  3. التوافق مع التوجه النيوليبرالي (الكفاءة والمساءلة)
    • التركيز على النتائج، والمحاسبة بناءً على الأداء، وتبرير السياسات بالأرقام؛ كلها عناصر منطقية في مقاربة البنك الدولي.
    • التعليم المعتمد على الكفاءات ينسجم مع خطاب "الحكامة الجيدة" و"المردودية" و"تقليل الهدر" في الأنظمة التعليمية.
  4. الاستجابة لعولمة سوق العمل والتكنولوجيا
    • الاقتصاد العالمي يتغير بسرعة، وتظهر مهن جديدة تتطلب مهارات مرنة وقابلة للتجدد.
    • لذلك يدفع البنك الدولي نحو نماذج تعليمية تُكسِب المتعلم مهارات عامة (حل المشكلات، العمل في فرق، التعلم الذاتي...) أكثر من معارف ضيقة.
  5. توحيد الأطر المرجعية لتسهيل حركة العمالة والاستثمار
    • وجود "أطر كفاءات" مشابهة بين الدول يسهل الاعتراف المتبادل بالشهادات ويُبسِّط حركة اليد العاملة ورؤوس الأموال.
    • هذا ينسجم مع رؤية البنك الدولي لاندماج الدول النامية في الاقتصاد العالمي.



خاتمة

المقاربة بالكفاءات تمثّل محاولة جادة لتجاوز حدود التعليم التلقيني التقليدي،
وتسعى إلى جعل المدرسة أكثر قرباً من الحياة والعمل، وأكثر اهتماماً بما يتقنه المتعلم فعلياً.
لكن تطبيقها في السياقات العربية وغيرها كشف عن مشكلات وحدود مهمة،
خاصة حين تُستورد بوصفها "وصفة جاهزة" بدفع من مؤسسات دولية كالبنك الدولي،
دون تكييف عميق مع الواقع التربوي والثقافي، ودون استثمار حقيقي في تكوين المعلمين وتحسين شروط العمل المدرسي.

لذلك يبدو أن الموقف المتوازن هو:

  • لا رفض مطلق للمقاربة بالكفاءات بوصفها أداة تحديث ضرورية،
  • ولا تبنٍّ غير نقدي لها بوصفها الحل السحري لكل مشكلات التعليم.

بل المطلوب هو:

  • تكييفها مع الأهداف الوطنية والثقافية،
  • الجمع بينها وبين مقاربات أخرى (المعرفية، والإنسانية، والنقدية)،
  • وإشراك الفاعلين التربويين محلياً في صياغة أي إصلاح،
    حتى تتحول من إصلاحات مفروضة من الخارج إلى اختيار تربوي واعٍ يخدم مصلحة المتعلم والمجتمع معاً.
هل اعجبك الموضوع :

تعليقات

التنقل السريع